منتدى لكل اصحاب الفكر والعلوم


    قصة ماشطة ابنة فرعون

    شاطر
    avatar
    نسيم الصباح
    مشرف

    المساهمات : 38
    تاريخ التسجيل : 15/07/2010

    قصة ماشطة ابنة فرعون

    مُساهمة  نسيم الصباح في الثلاثاء يوليو 20, 2010 6:17 am


    فقد ذكر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه ليلة أسريَ به إلى بيت المقدس وجد رائحة طيبة ملأت صدره الطاهر وآنسته في مسراه ، فالتفت إلى رفيق سفره وأمين الله في رسالاته إلى الأنبياء الكرام يسأله عن سر هذه النسمة المباركة فقال :
    يا أخي جبريل ؛ ماهذا العبق الآخّاذ الذي ملأ المكان .
    قال جبريل : هذه رائحة قير ماشطة ابنة فرعون وزوجها وابنهما .
    قال الرسول صلى الله عليه وسلم : كأن فرعون قتلهم ؛ أليس كذلك يا أخي جبريل ؟
    قا جبريل : بلى يا محمد ؛ أصبت كبد الحقيقة .
    قال : هذا دأب الظالمين ، قد خبـِرت الكثير من أمثال فرعون في مكة وغيرها .
    قال جبريل : هم كذلك في كل زمان ومكان ، نسخة واحدة تتكرر في البطش والتنكيل ، وظلم البشر ، والتجبر عليهم .
    قال النبي صلى الله عليه وسلم : فما قصتهم يا أخي جبريل ؟.
    قال : كان الرجل وزوجته من المؤمنين الأتقياء - إن الطيور على أشكالها تقع – رزقا طفلاً أرضعاه لبن الإيمان والتقوى ، وكانا يكتمان إيمانهما في هذا السيل من الكفر الطامي ، وكلما وجدا في إنسان بذرة خير واطمأنا إليه دعَواه إلى الإيمان بالله الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد . ويظل الداعية آمناً في حياته إذا لزم جانب الحذر ، وعرف كيف يظهر إيمانه ومتى؟
    لكنّ الحذر لا ينجي من القدَر . والدنيا دار ابتلاء يسعد فيه من نجح في الامتحان ، ويهوي فيه من نكص على عقبيه . وباع باقياً بزائل .
    قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم : فكيف كُشف أمرُهما ؟
    قال جبريل عليه السلام : بينما كانت المرأة تمشّط شعر بنت فرعون وقع المشط من يدها ، فانحنت تتناوله قائلة باسم الله . .. فانتبهت ابنة فرعون إلى قولها ، وكأنها استحسنته . فابتسمت بوجه المرأة تشكرها على إيمانها القوي بالمتألّه المتكبر فرعون . ثم قالت لها متلطفة ومتأكدة بآن واحد : تقصدين أبي - الإله العظيم – أليس كذلك ؟.
    لو أرادت المرأة أن تستدرك ما قالته لأجابت إجابة مبهمة ملمّحة ليست واضحة ، كأن تبتسم بوجه الفتاة ، وتغبطها على حبها لأبيها ، أو تتمتم بألفاظ غير مفهومة توحي بالاعتذار ، أو تشاغلها بحديث آخر يبعدها عن الجواب ..
    ولعل امتعاضها من هذا السؤال غير المتوقع كشف خبيئتها ، وفضح مستورها ... ولعلها ظنت بالفتاة خيراً ، ورأت الوقت مناسباً للمصارحة بالحقيقة والدعوة إلى الله .. ولم لا؟ فامرأة فرعون نفسها آمنت بالله رباً واحداً لا شريك له ، وبموسى عليه السلام نبياً ، وكفرت بزوجها الدعيّ المتجبّر ، وسألت الله تعالى أن ينجيها من فرعون وعمله ، وأن يبني لها بيتاً في الجنة ، فلم لا تكون ابنتها مثلها ؟!
    قال المرأة : بل باسم الله خالق السموات والأرض ، رب العالمين .
    قالت الفتاة : أنت تقصدين والدي بالطبع .
    قالت المرأة بل أقصد الله ربي وربـَّك وربَّ أبيك .
    قالت الفتاة محتدّة : ماذا تقولين يا مرأة ؟
    قالت الماشطة بهدوء واتزان : إن أباك بشر مثلي ومثلك يا ابنتي ، لا حول له ، ولا قوة ، وما فرعون إلا رجل كبقية الرجال يأكل ويشرب ، وينام ويستيقظ ، ويمرض ويصح ... إنه مخلوق يا ابنتي ، فلا تغرّنّك المظاهر الكاذبة الخادعة .
    قالت الفتاة الغرّيرة مستاءة ممن حطّم آمالها الطفولية بأبيها – وكل فتاة بأبيها معجبة – لأشكونّك إلى أبي ما لم تعودي عن قولك هذا .
    قالت الماشطة : بل تعس أبوك من متكبر لا يؤمن بيوم الحساب .
    وصل الخبر إلى فرعون ، فامتلأ غضباً وتاه كِبراً ، أفي قصره من يكفر به ؟ أوَصَلَ أتباع موسى إلى مأمنه ومكمنه ؟ يا للفضيحة ! .. وأسرع يستجلي الخبر ليئده في مكانه قبل أن يستفحل خطره في القصر ، ثم بين المقربين ... قد انتشر بين العامّة فلا ينبغي أن يصل إلى عرين فرعون .
    قال فرعون : أصحيح ما قالته الفتاة ؛ أيتها الماشطة؟!
    قالت : نعم أيها الملك ، فلا إله إلا الله وحده ، لا شريك له .
    قال مهدداً متوعّداً : ألك رب غيري ؟.
    قالت المرأة : ربي وربك الله الذي في السماء ؛ أيها الفرعون .
    قال لأقتلنّك إن فعلتِ .
    قالت : لكل أجل كتاب ، وإلى الله المصير .
    قال فرعون : أزوجك صابئ مثلك ؟ لأقتلنكما معاً .
    وجيء بالزوج ، فأعلن شهادة الحق المدوية في أذن التاريخ أنْ لاإله إلا الله ، وحده لا شريك له .
    والفراعنة في كل زمان ومكان لا يحبون أن يسمعوا قولة الحق ، ولا يقرون بها ، ويعذبون أصحابها ويقتلونهم ... لكنْ أن يٌقتل الأطفال بجريرة غيرهم أمرٌ في غاية الهمجية والوضاعة ؟! هذا دأب الجبابرة العتاة والشياطين المردة .
    وكما فعل أصحاب الأخدود بالمؤمنين فعل فرعون بهذه الأسرة الصغيرة المؤمنة ، فأوقدت النار في نقرة كبيرة من نحاس عميق ،
    فلما اشتد أوارها قالا له : إن لنا إليك حاجة .
    قال فرعون : ماهي ؟
    قالا: أن تجعل رفاتنا في ثوب واحد ، فتدفنه في حفرة واحدة .
    قال : ذلك لكم لِما لكما علينا من حق خدمتكما لنا .
    وألقي الرجل فيها أولاً ، فكان رابط الجأش ، نديّ اللسان بذكر الله عز وجل .
    وكما نطق رضيع في قصة الأخدود يحث أمه على الدخول في الأخدود دون خوف ولا نكوص فرمت به وبنفسها فكانت من الخالدين نطق الرضيع هنا قائلاً لأمه : اصبري يا أماه فإنك على الحق ، واقتحمي النار ، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة .. فاقتحمتها لتفوز الأسرة بالنعيم المقيم في جوار ر
    ب محب رحيم .

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس سبتمبر 21, 2017 9:35 am